الدرس الثانى:قبل أن يكون الإسلام مجرد كلمة
كتبهاريهام سامح ، في 7 ديسمبر 2007 الساعة: 00:38 ص
فضل كلمة التوحيد
إن قلب المؤمن لا يصلح إلا بتعظيم الله جل وعلا لا يصلح ولا يثبت على الإيمان ولا يستقيم على ذلك إلا بتحقيق التوحيد لله جل وعلا فكلما قوي العبد في الإخلاص لله وفي توحيده لربه وفي تحقيقه الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله كلما قوي في تحقيق ذلك ثبت على الإيمان، ونفى تسويل الشيطان وكان قيامه في عقد الإيمان قياماً قوياً صحيحاً أمر الله جل وعلا عباده بتحقيق التوحيد له وبإخلاص الدين له جل وعلا: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين [الزمر:11]. وقال جل وعلا: ألا لله الدين الخالص[الزمر: 3]. يعني فاعبدوه مخلصين له الدين حنفاء وهذا الأصل العظيم عليه قامت السموات وعليه قامت الأرض ومن أجله خلق الجن والإنس وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات:56]. يعني إلا ليوحدون إلا ليخلصوا العبادة لي وحدي.
وهذا الأمر العظيم من أجله بعثت الرسل ومن أجله خلقت النار وخلقت الجنة ومن أجله قام الجهاد ورفعت ألويته ومن أجله حاق بالذين كفروا سوء ما عملوا ومن أجله نصر الله المؤمنين لهذا وجب على المؤمنين أن يسعوا سعياً جاداً في تحقيق الإخلاص لله في تحقيق التوحيد لله جل وعلا بأن يكون أمرهم، بأن تكون عبادتهم بأن تكون طاعتهم لله جل وعلا وحده دون ما سواه فطاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم تبع لطاعة الرب جل وعلا: قل أطيعوا الله والرسول[آل عمران:32].
إن العبد المؤمن إذا حقق التوحيد فإنه يحصل على فضل من الله في الدنيا وفي الآخرة فمع أنه واجب وواجب تحقيقه ففضله في الدنيا والآخرة عظيم عظيم عظيم، لهذا بين الله جل وعلا لعباده المؤمنين فضل تحقيق التوحيد وأنه يكفر الذنوب وأن التوحيد أعظم ما يتقرب العبد به إلى ربه جل وعلا اسمع مثلاً قول الحق جل جلاله: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون[الأنعام:82].
لما نزلت الآية شق ذلك على الصحابة وقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ فقال: ((ليس الذي تذهبون إليه الظلم الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم))[1]، فهذه الآية فيها وعد من الله جل وعلا ووعده حق أن المحققين للتوحيد المبتعدين عن الشرك بأنواعه، أن لهم الأمن في الدنيا والآخرة، ولهم الهداية في الدنيا والآخرة الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون[الأنعام:82] وهذه من ثمرات التوحيد ومن فضل التوحيد أنك بقدر تحقيقك للتوحيد وإخلاصك لله وبعدك عن الشرك الظاهر والباطن بقدر ذلك يكون لك الأمن وتكون لك الهداية لهذا ترى المؤمن الموحد أكثر الناس أمناً في الدنيا وأكثر الناس أمناً يوم القيامة ألم تسمع أخي قول الرب جل وعلا في المؤمنين: لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون[الأنبياء:103] نعم المؤمن المسدد إذا خاف الناس في الدنيا فإنه لا يخاف لأنه في قلبه من الإخلاص لله والتوحيد ما يجعله في أمن وأمان وكذلك إذا خاف الناس يوم القيامة من النار إذا برزت الجحيم فإنه لا يخاف إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها[الأنبياء:102] نعم أيها المؤمنون هذا الأمر العظيم يجب علينا أن نفقهه وأن نسعى في تحقيقه ألا وهو إخلاص الدين لله وهذا بعض فضله في هذه الآية أن أهل التوحيد الخالص لهم الاهتداء، والهداية مراتب وأهلها فيها درجات ولهذا كان أكثر الناس هداية وأعظمهم هداية الأنبياء والمرسلون لأنهم حققوا الإخلاص والتوحيد لله جل وعلا: أولئك لهم الأمن وهم مهتدون[الأنعام:82].
كذلك إذا حققت الإخلاص في قولك وعملك وابتعدت عن الشرك في أقوالك وأعمالك فإن لك فضلا عظيماً وهو أنك تغفر لك الذنوب التي هي فيما بينك وبين الله جل وعلا جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله جل وعلا: عبدي إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا يعني بملء الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً أتيتك بقرابها مغفرة))[2] ، فالموحد يغفر له ذنبه ولا إله إلا الله تكون لك يوم القيامة بطاقة إذا وضعت في كفة الحسنات طاشت السيئات وسجلات السيئات، لثقل هذه الكلمة لكن لمن حققها وعمل بمعناها وتيقن بذلك وعمل بمقتضاه وابتعد عن الشرك كله فإن نور لا إله إلا الله لا يعدله شيء يحرق الشهوات ويحرق الشبهات في الدنيا وكذلك يحرق أثر الشهوات وأثر الشبهات في الآخرة حين توضع الموازين وحين يلقى الناس حسابهم كذلك أهل الإخلاص في الدنيا يمن الله عليهم بأنه يصرف عنهم السوء والفحشاء ألم تسمع إلى قول الله في حق يوسف عليه السلام: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين[يوسف:24] يعني الذين خلصوا لله جل وعلا وأخلصوا أعمالهم وأقوالهم وحققوا التوحيد له فيصرف عنهم السوء والفحشاء وتأمل أول الآية: ولقد همت به[يوسف 25] يعني همت به امرأة العزيز فعلاً لقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه[يوسف:25] يعني أنه رأى برهان ربه وهو إخلاصه وتوحيده وتعظيمه وما في قلب الموحد من إجلال الله ولولا هذا البرهان لهم بها ولا شك أن العبد المؤمن يصرف عنه السوء والفحشاء فكم سمعنا من أناس أتاهم الشيطان فيما ذكروا وأرادهم للفحشاء ثم يأتي فضل الله عليهم فتصرف عنهم الفحشاء وينصرفون عنها وكأنها ليست بشيء لهم وذلك لأنهم حققوا وسعوا في تحقيق الإخلاص لله جل وعلا وكذلك من فضل التوحيد على أهله أن الناس إذا أصابتهم المصائب وحلت بهم العقوبات فإن أهل الإخلاص وأهل التوحيد هم أهل النجاة قال جل وعلا: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون[فصلت:17] فهم أهل التوحيد فإذا أصاب الناس ما أصابهم فإن أهل التوحيد هم أهل النجاة ولو أصابهم من الهلاك فإنهم ينجون فيما بعد يعني إذا صاروا إلى الله فالذين يعذبون من أهل الظلم في الدنيا يعذبون في الآخرة وأما أهل التوحيد فيبعثون على ما في قلوبهم وعلى ما في أعمالهم لأن الله جل وعلا لا يظلم الناس شيئاً وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون[النمل:53]. وفي الآية الأخرى: ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون [فصلت:18]. إذا علمت أيها المؤمن بعض فضل التوحيد فاعلم أن الله جل وعلا لا يغفر الشرك به إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً[النساء:116] وإذا لم يرض الله جل وعلا إلا التوحيد ولا يغفر الشركالأكبر منه والأصغر فإن عقاب أهل الشرك عظيم بل إن عقابهم النار وعقابهم الخزي في الدنيا والعذاب وكذلك العذاب في الآخرة ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق[الحج:31] وقال جل وعلا: وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار[المائدة:72].
إذا تبين لنا أن حق الله هو توحيده وأن فضل التوحيد عظيم وأن عقاب الشرك عظيم فإننا بحاجة دائمة إلى تعلم التوحيد وإلى الخوف من الشرك فإن التوحيد والإخلاص لا يقر هكذا بدون علم لابد فيه من العلم وإذا كان الله جل وعلا أمر نبيه بالعلم بالتوحيد فنحن مأمورون من باب أولى لأننا أهل الجهل بهذا الأمر العظيم اسمع قول الله جل جلاله فاعلم أنه لا إله إلا الله[محمد:19] فالعلم بالتوحيد أمره عظيم ولهذا لا يسوغ لنا أن يقول القائل منا فهمنا التوحيد وفهمنا أنواعه دون أن يكرر ذلك و دون أن يراجع ذلك بين الحين والآخر وأن يطلع على كلام أهل العلم لأن هذا ليس من باب الطلب العلمي بل هو باب حق الله جل جلاله فإذا تعلمناه وكررناه فإن ذلك لأن به صلاح القلب ولأن به تحقيق حق الله جل وعلا على العبيد ألا وهو التوحيد
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ».
روى البخاري في " الأدب المفرد " وصححه الشيخ الألباني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إن نبي الله نوحاً صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة قال لابنه: آمرك بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعن في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن. ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لقصمتهن لا إله إلا الله » فهذه بعض فضائل هذه الكلمة العظيمة.
فتوحيد الله لا بد فيه من الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، والكفر بالطاغوت هو البراءة من كل معبود سوى الله ومن كل عبادة سوى عبادة الله -عز وجل، ونفيها وتكفير أهلها وبغضهم وعداوتهم.
والإيمان بالله هو تخصيص الله -سبحانه وتعالى- بالعبادة، وهذا هو معنى كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" فإن معناها: لا معبود حق إلا الله، فهذه الكلمة العظيمة وهي كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" هي كلمة التقوى وهي كلمة التوحيد، وهي التي لأجلها خلق الله الخلق، ولأجلها أرسل الله الرسل، ولأجلها أنزل الله الكتب، ولأجلها قامت القيامة وحقت الحاقة ووقعت الواقعة، ولأجلها انقسم الناس إلى شقي وسعيد.
هذه الكلمة العظيمة المراد بها معناها والعمل بمقتضاها، ليس المراد من هذه الكلمة النطق بها باللسان فقط، بل المراد النطق بهذه الكلمة واعتقاد معناها والعمل بمقتضاها والبعد عما يناقضها، هذه الكلمة العظيمة مشتملة على النفي والإثبات، النفي في قولك: "لا إله"، وهذا هو الكفر بالطاغوت.
والإثبات في قولك: "إلا الله" وهذا هو الإيمان بالله، لا بد من البراءة من كل معبود سوى الله كما قال الله -عز وجل- عن خليله إبراهيم وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ فالبراءة من كل معبود سوى الله هي الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله وحده وتوحيد الله هو إخلاص الدين له وبهذا يكون العبد مخلصا لله كما قال الله -عز وجل-: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وقال سبحانه وتعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وقال سبحانه: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ .
والمراد بالدين في هذه الآية العبادة؛ فاعبدوا الله مخلصين له الدين، أي: مخلصين له العبادة، فمن تبرأ من كل معبود سوى الله ونفى عبادة كل ما سوى الله وأنكرها وأبغض أهلها وعاداهم ووحد الله وخص الله بالعبادة فقد كفر بالطاغوت، وهذه هي الحنفية ملة إبراهيم التي خلق الله الخلق من أجلها؛ قال الله -عز وجل: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ .
ومعنى ( لا إله إلا الله ) يُتَنَاول من جهتين :
• الجهة الأولى : جهة تتعلق بالوجوب لعامة المكلفين ، وهو أن يعلم النفي والإثبات الذي ضُمِّن كلمة التوحيد ، وهو نفي استحقاق العبادة عن غير الله عز وجل في نفس الأمر ، وحصره فيه سبحانه وتعالى ، ولا يجب عليه معرفة دقائقها ، وإعرابها ، ومفهوم كل لفظة عند اللغويين .
وقد قرر ذلك : الإمام الهِبْطي الكبير في " كنـز السعادة " وحكى الاتفاق عليه ، وكذا جماعات كثيرون كالقرافي – يرحمه الله – في شرحه على الأصول ، والموفق ابن قدامة –يرحمه الله- في "المغني" ، وابن عبد البر في " التمهيد" وشيخ الإسلام ابن تيميّة في " مجموع الفتاوي " وابن القيم في " مفتاح السعادة " في آخرين .
وهذا المعنى هو المفهوم العام لـ ( لا إله إلا الله ) .
• الجهة الثانية : هي الجهة العلمية الصناعية ، ومعرفتها فرض كفاية على جملة الأمة ، فلا بد أن يعرفها الخاصَّة ممن عندهم الأهلية ، وقد قرر ذلك الحكم على القاعدة المعروفة في ذلك جماعة ، ومن أولئك ابن عبد البر في " الاستذكار" و"التمهيد " ، وكذا الموفق ابن قدامة في " المغني " في آخرين .
وعليه فإن لـ( لا إله إلا الله ) معنى تقوم على شيئين :
الشيء الأول : النفي ، وهو جزئها الأول نطقاً ، وهو ( لا إله ) : وهذا النفي يقوم على ثلاثة أركان ، إذا سقط ركن منها اختلَّ توحيد المرء في النفي .
[ أركان النفي ]
الركن الأول : معنى ( الإله ) ، إذ إنه بمعنى الإله ( أَله يَأله إلهةً ) المعبود بحق ، حيث قرر ذلك اللغويون كالزَّجَّاج وجماعة .
وعليه فما سواه من المعاني باطل ، كالموجود أو القادر على الاختراع ، ولا ينتفع الإنسان بلا إله إلا الله إذا جعلها على معنىً باطل .
ودلل الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في " تيسير العزيز الحميد " في نفي المعنى الباطل بدلالتين :
الأولى : أنه لا يعرفه أحد من علماء الشريعة وأئمة اللغة الذين يعَوّل عليهم .
والثانية : أن القادر على الاختراع والخالق هو لازم للإله الحق ؛ فإنه القديم ( الذي لم يسبق بعدم ) ، وهو المخترع للأشياء القادر عليها .
الركن الثاني : العموم في النفي ، بحيث يكون مستغرفاً لجميع معناه الكلي ، والمعنى الكلي الاستغراقي هو الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشَّرِكة فيه ، كذا عرّفه أهل الصناعة .
وعليه فإن قولك : ( لا إله ) : هو نفي يشمل كلَّ مُفْرَدَةٍ تدخل في ذلك المعنى الكلي وهو استحقاق العبادة ، فلا بد أن يكون النفي واقعاً هذا الموقع ، وإذا قَصَرْت النفي على جزء من مفردات هذا المعنى الكلي الذي نَفَيْتَ فيه فإنه لا يكون نفياً صحيحاً ، ولا يكون نفي توحيد الذي هو مفهوم كلمة ( لا إله إلا الله ) شرعاً .
الركن الثالث : نية الاستثناء في الذهن لله عز وجل عند النفي مع العموم فيه ، ومن أطلق دون استثناء فإنه يكفر ، ولذلك قيل : ( كم من ناطق كلمة التوحيد كفر بطرفها الأول ) ؛ لأنه لم يستحضر استثناء الله عز وجل عند نفيه ، ومعلوم ( أن ورود الكفر على الذهن مع إقرار لحظة ، كوروده على الجوارح وإقراره ولو لحظة ) ، فيكون الكفر سيان هنا وهناك ، ولذلك قيل : ( لا إله نفيٌ مقدّم نطقاً في لا إله إلا الله و إلا الله إثباتٌ مقدم حقيقة ) .
وبعض أهل الكلام كالأشاعرة وغيرهم أخطئوا في تفسير الإله، فقالوا: الإله فيه تقدير الخبر، قالوا: لا إله موجود إلا الله، وفسروا الإله بالخالق، وهذا خطأ، لو كان المعنى لا خالق إلا الله لما حصل نزاع بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وكفار قريش، ولما حصل نزاع بين الرسل وأممهم، لأن الأمم يقرون بأنه لا خالق إلا الله.
وبعض أهل الكلام كالأشاعرة وغيرهم يقولون: معنى لا إله إلا الله: لا خالق إلا الله، أو لا قادر على الاختراع إلا الله، وهذا غلط كبير؛ لأنه لو كان معنى لا خالق إلا الله لما حصل نزاع وقتال وجهاد من الرسل للكفرة؛ لأن الكفرة يقرون بأنه لا خالق إلا الله، لا خالق إلا الله، هذا لا إشكال فيه عندي.
ولا يتبين عظمة هذه الكلمة "لا إله إلا الله" وأنها كلمة التوحيد التي تنفي الشرك إلا بتفسير الإله بالمعبود، وتقدير الخبر بحق لا إله بحق إلا الله. لا معبود بحق إلا الله، وبهذا يتبين عظمة هذه الكلمة لأن الآلهة موجودة، ولكنها آلهة باطلة، قال سبحانه: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ إذًا لهم آلهة، وقال سبحانه: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
[ أركان الإثبات ]
وله ركنان :
الركن الأول : إثبات وجود الله سبحانه وتعالى إثباتاً حقيقياً ، فليس الإله خيالاً أو مُتَصَوَّراً في الذهن لا وجود له في الحقيقة خارج الذهن ، كمن يثبت إلهاً ليس له حقيقة يسميه بالنور .
الركن الثاني : توحُّد هذا الإله فلا يَشْرَكه في استحقاقه العبادة أحد أياً كان .
شروط كلمة التوحيد
1-إن لكل شيء حقيقة ولكل كلمة معنى ، فينبغي عليك أولا أن تعلم معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله . . تعلم ذلك يقينا منافيا للجهل ، إذ يراد بها نفي الألوهية عن غير الله وإثباتها لله وحده ، ولذلك قال سبحانه: فاعلم أنه لا إله إلا الله ، وقال : (( من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)).
2-ويكتمل هذا الشرط بشرط آخر هو اليقين الذي ينافي الشك ، ومعنى ذلك أن تستيقن يقينا جازما لا يداخله أي شك أو تردد بمدلول كلمة التوحيد ، لأنها لا تقبل شكا ولا ارتيابا ولا ظنا، فقد جعل الله تعالى هذا اليقين علامة على الإيمان فقال: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون .
3-وإذا علمت وتيقنت فينبغي أن يكون لهذا العلم أثره ، فيدفعك إلى القبول لما تقتضيه هذه الكلمة وتطلبه منك بالقلب واللسان، فمن رد هذه الكلمة ولم يقبلها كبرا أو حسدا فإنه يكون كافرا ، فقد قال الله تعالى عن الكفار: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون . أما المؤمنون الذين قبلوها فلهم النجاة عند الله وعداً منه ولا يخلف الله وعده: ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقاً علينا ننج المؤمنين .
4-والشرط الرابع : الانقياد لما تطلبه منا من الطاعة والالتزام انقيادا تاما ، وذلك هو المحل الحقيقي والمظهر العمل للإيمان ، ويحصل هذا يا أخي المسلم بأن يعمل بما فرضه الله عليك وأن تترك ما حرمه الله تعالى عليك ، وعندئذ يتحقق الإيمان ، فقد أقسم الله تعالى بذلك فقال فلا وربك . . . وقال : (( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به )).
5-والشرط الخامس : أن يقولها الإنسان صادقا من قلبه ، ليبتعد بذلك عن الكذب والنفاق ، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم ولا يطابق هذا ما في قلوبهم: يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم . وفي الصحيحين من حديث معاذ : ((ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار )).
6-وأما الشرط السادس فهو المحبة ، بأن يحب المرء هذه الكلمة والعمل بمقتضاها ، ويحب أهلها المطيعين بها والعاملين بها ، ومن أحب شيئا من دون الله فقد جعله ندا لله وشريكا: ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله . ومتى استقرت هذه الكلمة عقيدة في القلب فإنه لا يعدلها شيء فقد قال : (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار )). ولو رجعنا إلى تاريخ الصحابة وحياتهم لوجدنا أروع الأمثلة على ذلك ، أبو بكر في دفاعه عن رسول الله ، وعلي في فدائه للرسول ، وخبيب بن عدي ، حتى قال أبو سفيان : ما رأيت أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمدا محمدا .
7-وتلك الشروط كلها لا تنفع وحدها ما لم يتحقق سبب القبول عند الله تعالى وهو الإخلاص لله تعالى أي صدق التوجه إلى الله تعالى وتصفية القلب والعمل بصالح النية عن كل شائبة من شوائب الشرك وألوانه ، وقد تواردت الآيات في ذلك، فمن كان يرجو لقاء ربه .
وفي الحديث عن عتبان بن مالك عن النبي قال: ((إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله عز وجل )).
نواقض كلمة التوحيد
المسلم قد يرتد عن دينه بأنواع كثيرة من النواقض التي تحل دمه وماله، ويكن بها خارجاً عن الإسلام، ومن أخطرها وأكثرها وقوعاً عشرة نواقض ذكرها الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وغيره من أهل العلم *رحمهم الله جميعاً* ونذكرها لك فيما يلي على سبيل الإيجاز، لتَحْذَرَها وتُحَذِّر منها غيرك، رجاء السلامة والعافية منها، مع توضيحات قليلة نذكرها بعدها:
الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ [النساء:116]، وقال تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72]، ومن ذلك دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والنذر والذبح لهم كمن يذبح للجن أو للقبر.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط؛ يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، فقد كفر إجماعاً.
الثالث: من لم يُكَفِّر المشركين، أو شَكَّ في كفرهم، أو صحّح مذهبهم كفر.
الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.
الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ولو عمل به فقد كفر، لقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا %E
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دورة العقيدة الأولى | السمات:دورة العقيدة الأولى
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























